نادر محمد
تمثل سيرة الأستاذ الدكتور قاسم محمد بريه فصلاً مضيئاً في تاريخ النهضة المعرفية والتربوية بمحافظة الحديدة وعموم اليمن، إذ لا يمكن قراءة التحولات التي شهدها التعليم العالي في تهامة بمعزل عن الأدوار التأسيسية التي اضطلع بها، ولا عن الجهد التراكمي الذي بذله في سياق شاق اتسم بندرة الإمكانات وتعقيد الظروف. تبرز شخصيته كواحدة من تلك القامات التي وهبت حياتها لتمهيد دروب التنوير أمام الأجيال المتعاقبة، مجسداً في مسيرته الطويلة نموذجاً للقيادة الواعية التي تمزج بين الكفاءة الإدارية والسمو الأخلاقي، وبين الصرامة المهنية والبعد الإنساني، وهي معادلة قلّما تجتمع في شخص واحد.
ومنذ مطلع التسعينيات، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ اليمن الحديث، وضع الدكتور بريه بصماته الراسخة في تأسيس التعليم الجامعي وبناء المؤسسات الأكاديمية، في وقت كانت فيه الحاجة ملحّة لإعادة صياغة البنية التعليمية بما يواكب متطلبات المرحلة الجديدة. لم يكن حضوره إدارياً فحسب، بل كان حضوراً مؤسساً، يشتغل على الفكرة من جذورها، ويؤمن بأن التعليم ليس مبنىً يُشيّد، بل منظومة تُبنى على رؤية واستمرارية. وقد غدت تلك المؤسسات التي ساهم في إنشائها اليوم ركائز أساسية لطالبي العلم والباحثين، ومراكز إشعاع معرفي تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.
وتتجلى ريادة الدكتور بريه في مبادرته المبكرة لوضع الحجر الأساس لكلية التربية بجامعة الحديدة، وهي خطوة لم تكن مجرد إجراء إداري، بل كانت إعلاناً عن بداية تحول نوعي في مسار التعليم العالي بمنطقة تهامة، إذ أسهمت الكلية في إعداد كوادر تربوية مؤهلة كان لها دور حاسم في رفد المدارس والمؤسسات التعليمية بكفاءات وطنية. وبالتوازي مع ذلك، جاء دوره السباق في افتتاح أول مؤسسة متخصصة لتعليم اللغات عام 1989، ليؤكد إدراكه المبكر لأهمية الانفتاح اللغوي في عالم يتجه نحو العولمة، وليضع بذلك لبنة أولى في مشروع تطوير المهارات المهنية والمعرفية خارج الأطر التقليدية.
ولم يكن نهجه القيادي خلال سنوات عمله مجرد ممارسة إدارية روتينية، بل كان نموذجاً في إدارة الاختلاف وتوحيد الجهود، حيث عُرف بقدرته على احتواء التباينات، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة، وإعلاء قيمة الإنسان باعتباره محور العملية التعليمية. وقد انعكس ذلك في علاقته بزملائه وتلاميذه، الذين وجدوا فيه الموجه والمرشد، لا المسؤول المتعالي، وهو ما أضفى على تجربته بعداً إنسانياً عميقاً، جعل أثره ممتداً في الذاكرة المؤسسية والشخصية على حد سواء.
وفي ظل هذا التاريخ المثمر بالعطاء، لم يكن مستغرباً أن تظهر محاولات للنيل من هذه المكانة عبر حملات افتراء منظمة، تستهدف تشويه الحقائق وبث الشكوك، مستخدمة المنصات الرقمية بأسماء مستعارة، في سلوك يعكس في جوهره عجزاً عن مواجهة النجاحات الملموسة بلغة الوقائع والأدلة. فحين تعجز الحجة، يُستدعى التشويه، وحين تغيب الحقيقة، يُستعاض عنها بالضجيج. وقد امتدت هذه السلوكيات لتطال محيطه الأسري، وبصورة خاصة ولده أمير، في تجاوز صارخ لكل الضوابط الأخلاقية والقيم المجتمعية التي ترفض الابتزاز والتشهير وسيلةً لتحقيق أهداف ضيقة.
وتبرز قضية "أرضية القراشية" كنموذج واضح لمحاولات تزييف الواقع وإعادة تدوير ملفات حُسمت قانونياً منذ سنوات. فالمعطيات الرسمية تؤكد أن هذا الملف أُغلق نهائياً عبر القضاء والوثائق القانونية المعتمدة منذ عام 2006، بصدور أحكام قضائية من محكمة زبيد تثبت أحقية الملكية وتدحض كافة الادعاءات التي يُعاد طرحها اليوم. إن إعادة إحياء هذا الملف في هذا التوقيت لا يمكن قراءتها إلا بوصفها محاولة للضغط الإعلامي، والالتفاف على الحقائق القانونية، عبر خلق سرديات بديلة لا تستند إلى أساس موضوعي.
وتمسكاً منه بمنطق الدولة وسيادة القانون، لم ينجرّ الدكتور قاسم إلى مهاترات إعلامية، بل اختار المسار المؤسسي، فواصل مواجهة هذه الافتراءات عبر القنوات القضائية، التي جددت إنصافه بالحكم الصادر في القضية المدنية رقم (47) لعام 1446هـ، والذي أقر بمنع أي تعرض لملكه، وإلزام المعتدين بالتعويضات المناسبة. ويكتسب هذا الحكم أهمية مضاعفة، ليس فقط لكونه ينصف فرداً، بل لأنه يعيد الاعتبار لفكرة الاحتكام إلى القانون في مجتمع يرزح تحت ضغط الفوضى الإعلامية.
إن هذا القرار القضائي يمثل الحقيقة الدامغة التي تنهي الجدل، وتكشف زيف المحاولات الساعية إلى وصم النزاع بملفات الفساد، بينما هو في جوهره استهداف لشخصية أكاديمية ووطنية صامدة، دفعت ثمن مواقفها واستقلاليتها. وهنا تتبدى المفارقة المؤلمة: فبدلاً من تكريم الرموز العلمية، يجري أحياناً استهدافها، في مشهد يعكس اختلالاً في سلم القيم، ويطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الخطاب العام وحدود المسؤولية الأخلاقية في الفضاء الرقمي.
وعليه، فإن التضامن مع الدكتور بريه لا يُقرأ بوصفه موقفاً شخصياً، بل هو انحياز للقيم الأكاديمية، ودفاع عن هيبة الأحكام القضائية، وصون لفكرة الدولة في مواجهة العبث الرقمي. فالمجتمعات التي تفرّط في رموزها العلمية، إنما تفرّط في ذاكرتها ومستقبلها معاً. ويظل الوعي الشعبي هو الضمانة الحقيقية لحماية هذه القامات من سهام التشويه، إذ إن العطاء المخلص لا تمحوه حملات عابرة، بل يزداد رسوخاً مع الزمن، ويتحول إلى جزء من الذاكرة الجمعية التي لا تنسى من أرسوا قواعد العلم، وبنوا صروح المعرفة بأمانة ونزاهة.
وفي المحصلة، تبقى سيرة الدكتور قاسم بريه مثالاً حياً على أن البناء الحقيقي لا يُقاس بضجيج اللحظة، بل بعمق الأثر، وأن القامات العلمية، مهما تعرضت لمحاولات النيل، تظل أكثر ثباتاً من حملات الزيف، لأنها تستند إلى رصيد من العمل الصادق الذي لا تهزّه عواصف عابرة.





