لم تكن زيارتي إلى مستشفى الأنهار التخصصي بالحديدة مجرد مرور على مرفق صحي، بقدر ما كانت فرصة للاطلاع عن قرب على تجربة إدارية تبدو واضحة الملامح، يقف خلفها المدير العام الأستاذ نجيب علي الوصابي، الذي لا يقتصر حضوره على الجانب الإداري، بل يمتد إلى إعادة تنظيم العمل وتعزيز هوية المستشفى ودوره كمؤسسة صحية.
منذ اللحظات الأولى، يلفت الانتباه أن ما يجري داخل المستشفى يتجاوز مجرد استعادة النشاط؛ فهناك ملامح عمل تستهدف إعادة بناء المنظومة بصورة أكثر تنظيمًا وانضباطًا. وتبدو سرعة الاستجابة في مختلف الأقسام، إلى جانب المتابعة المستمرة، مؤشرات على وجود إدارة تضع تحسين الأداء ضمن أولوياتها اليومية.
وبحسب ما أمكن ملاحظته خلال الزيارة، فإن الأستاذ نجيب الوصابي لا يدير المستشفى من خلف المكتب فحسب، وإنما يتابع تفاصيل العمل على أرض الواقع، ويسعى إلى إعادة ترتيب المنظومة من الداخل. ويبرز في هذا السياق الاهتمام بالكادر الطبي، من خلال استقطاب أطباء واستشاريين ذوي خبرة، والعمل على وضع معايير أكثر دقة في اختيار الكفاءات، انطلاقًا من أن جودة الخدمة الصحية تبدأ بالعنصر البشري قبل الأجهزة والتجهيزات.
كما تبدو ملامح التحديث حاضرة في البنية التحتية والتجهيزات الطبية، مع إدخال أجهزة تشخيصية حديثة وتفعيل خدمات المختبرات والأشعة بصورة أكثر كفاءة. وتعكس هذه الخطوات توجهًا إداريًا يضع تطوير الخدمة الطبية وتحسين دقة التشخيص وسرعة التعامل مع الحالات ضمن أولوياته.
غير أن الجانب اللافت في التجربة لا يتعلق بالتطوير المادي وحده، بل يمتد إلى محاولة بناء بيئة عمل أكثر احترافية. وخلال الزيارة، بدا أن هناك اهتمامًا بالانضباط ورفع كفاءة العاملين، إلى جانب التدريب المستمر، وهي عناصر تنعكس بصورة مباشرة على مستوى التعامل مع المرضى وطبيعة الخدمة المقدمة لهم.
وفي الأقسام المختلفة، من الطوارئ والعناية المركزة إلى العمليات والعيادات التخصصية، تظهر محاولات واضحة لتحقيق قدر أكبر من التنسيق والتناغم في الأداء. ومثل هذا الانسجام لا يتحقق عادةً بصورة تلقائية، وإنما يحتاج إلى متابعة يومية، وتقييم مستمر، وإعادة ضبط للإجراءات بما يتناسب مع احتياجات العمل.
حتى في التخصصات الدقيقة، ومنها جراحة العظام والمفاصل، يمكن ملاحظة توجه نحو توسيع نطاق الخدمات والاستفادة من التقنيات الحديثة، بما يشير إلى أن عملية التطوير تستهدف جوهر الخدمة الطبية وليس مظهرها فقط.
ومن خلال ما شاهدته خلال الزيارة، يمكن القول إن مستشفى الأنهار التخصصي يشهد مرحلة من إعادة ترتيب الأولويات واستعادة النشاط، في ظل إدارة تتعامل مع التطوير باعتباره عملية مستمرة، وليس مجرد خطوة مؤقتة.
وفي ظل التحديات التي تواجه القطاع الصحي، تظل الإدارة الفاعلة أحد العوامل المهمة في تحويل الإمكانات المتاحة إلى خدمات ملموسة. وفي حالة مستشفى الأنهار، تبدو تجربة الإدارة الجديدة محاولة لإعادة تنظيم العمل، ورفع مستوى الأداء، واستعادة حضور المستشفى كمؤسسة صحية تخدم المجتمع المحلي.
وربما تكون هذه هي الخلاصة الأبرز من الزيارة: أن إعادة تشغيل المرفق الصحي قد تبدأ بالإمكانات، لكنها تستمر بالإدارة والرؤية والمتابعة.






