الصباح الجديد - الحديدة
لم يعد الاختباء خلف أسماء وهمية في الفضاء الرقمي مجرد سلوك عابر، بل تحول إلى وسيلة من وسائل الابتزاز والتشهير، تُستخدم لإلصاق التهم دون دليل، في محاولة للضغط أو الإساءة أو تصفية الحسابات. مثل هذه الممارسات لا تمس الأفراد فحسب، بل تضرب الثقة العامة، وتستوجب موقفًا قانونيًا حازمًا يضع حدًا لها.
في هذا السياق، يبرز اسم الدكتور قاسم محمد بريه، بوصفه أحد أبرز مؤسسي التعليم الجامعي في محافظة الحديدة خلال تسعينيات القرن الماضي، وصاحب إسهامات واضحة في إنشاء كليات نوعية أسهمت في توسيع قاعدة التعليم العالي في المحافظة. عرف عنه مزيج نادر من الحنكة الإدارية والحضور الإنساني، إذ جمع بين صرامة القرار وقربه من الناس، متلمسًا همومهم وساعيًا لمعالجتها، وهي صفات لا تجتمع إلا في شخصيات استثنائية تركت أثرها في محيطها التعليمي والاجتماعي.
غير أن هذه المسيرة لم تسلم من محاولات الاستهداف، إذ تتكرر بين الحين والآخر حملات تشهير عبر صفحات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي، تديرها أسماء مستعارة تفتقر إلى الجرأة في إعلان هويتها، وتلقي اتهامات مرسلة بلا سند. تتبدل الروايات، لكن القاسم المشترك بينها هو غياب الدليل، وسرعان ما تنكشف خلفياتها المرتبطة بمصالح ضيقة أو مواقف شخصية لم تجد طريقها للتحقق.
ولم تقف هذه الحملات عند حدود الشخص نفسه، بل امتدت لتطال أسرته، في سلوك يعكس حجم الانحدار الذي قد تبلغه حملات التشويه حين تفقد أي ضابط أخلاقي أو قانوني. وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا: لو كانت هذه الادعاءات صحيحة، لماذا يصر أصحابها على التخفي؟ ولماذا لا تُعرض أمام الجهات القضائية المختصة بدل نشرها في فضاءات مفتوحة بلا مسؤولية؟
ومن أبرز ما أُثير مؤخرًا قضية أرضية القراشية، التي أعيد تداولها بعد ما يقارب عقدين من الزمن، رغم أن ملكيتها حُسمت بوثائق رسمية وعقد شراء موثق ومصادق عليه قضائيًا منذ عام 2006. بل إن القضاء في محكمة زبيد كان قد فصل في النزاع، مؤكدًا أحقية الملكية، وهو ما يجعل إعادة طرح القضية في هذا التوقيت موضع تساؤل، خاصة مع ظهور أطراف تحاول فرض واقع جديد إما عبر المطالبة بمكاسب مالية أو عبر الضغط الإعلامي.
وقد اختار الدكتور قاسم بريه المسار القانوني لمواجهة هذه الادعاءات، فلجأ إلى القضاء الذي أصدر حكمه في القضية المدنية رقم (47) لسنة 1446هـ، مؤكدًا منع التعرض له في ملكه، وإلزام المدعى عليهم بالتعويض وتحمل نفقات التقاضي. هذا الحكم لم يحسم النزاع فحسب، بل كشف أيضًا هشاشة الروايات التي حاولت تصوير القضية كملف فساد، في حين أنها مسألة حقوقية محسومة بوثائق وأحكام قضائية.
إن اللجوء إلى الحسابات الوهمية لتوجيه اتهامات أو مناشدات مضللة للجهات الرسمية لا يعد مجرد سلوك غير مسؤول، بل يندرج ضمن أساليب الابتزاز الإلكتروني ومحاولات التأثير على مسار العدالة. فالقانون يضمن لكل شخص حق التقاضي، لكنه في المقابل يجرم القذف والتشهير وتزييف الحقائق.
وفي النهاية، يبقى الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول، إذ تقع على عاتق الجميع مسؤولية التمييز بين القضايا الحقيقية التي تستحق المتابعة، وبين الحملات الموجهة التي تستهدف الأشخاص دون دليل. كما تبقى المؤسسات القضائية هي الفيصل، القادرة على حماية الحقوق وصون السمعة، ووضع حد لكل من يحاول العبث بها تحت غطاء الأسماء المستعارة.





