الصباح الجديد - الحديدة
في مسيرة الشعوب والمجتمعات، تبرز شخصيات استثنائية تجعل من حياتها جسراً لتعبر من خلاله الأجيال نحو المعرفة والتنوير، ويعد الأستاذ الدكتور قاسم محمد بريه واحداً من تلك القامات السامقة التي ارتبط اسمها بالنهضة التعليمية في محافظة الحديدة واليمن بشكل عام، حيث تجسدت في شخصيته قيم القيادة الرصينة التي تزاوج بين الحكمة الإدارية والنزاهة الأخلاقية، مكرساً جهوده منذ تسعينيات القرن الماضي لتأسيس مداميك التعليم الجامعي وبناء المؤسسات التي أصبحت اليوم منارات يهتدي بها طالبو العلم.
لقد كان الدكتور بريه صاحب الرؤية السبّاقة حين وضع اللبنة الأولى لكلية التربية بجامعة الحديدة، فاتحاً آفاقاً واسعة للتعليم العالي في تهامة، ومتبعاً ذلك بتأسيس أول مؤسسة تعليمية خاصة للغات في المحافظة عام 1989، ليرسم بذلك ملامح عهد جديد من التطور الأكاديمي والمهني، وقد اتسمت إدارته طوال عقود بالحزم العادل والقدرة الفائقة على احتواء الجميع بعيداً عن أي تمييز أو مناطقية، مما جعل منه مدرسة ملهمة في فن الإدارة وبناء الإنسان قبل بناء الجدران، وتاراً أثراً لا يمحى في نفوس زملائه وطلابه على حد سواء.
ومع هذا السجل الحافل بالعطاء، لم يكن مستغرباً أن تتعرض هذه القامة لحملات تشويه بائسة تحاول النيل من تاريخه المشرف، مستخدمةً في ذلك فضاءات التواصل الاجتماعي ومنصات التخفي خلف الأسماء الوهمية، في سلوك يعكس إفلاس القائمين على هذه الحملات وعجزهم عن مواجهة الحقائق بالحقائق، حيث يعمد هؤلاء إلى إلقاء الاتهامات المرسلة وتزييف الوقائع ومحاولة ابتزاز الشخصيات العامة عبر التشهير الذي لم يقتصر عليه فحسب بل امتد بوقاحة لتطال شظاياه ولده أمير، وهو ما يكشف عن انحدار أخلاقي يتجاوز كل القيم والأعراف المجتمعية والقانونية.
إن ما يُثار اليوم من قضايا، وعلى رأسها قضية "أرضية القراشية"، يمثل نموذجاً صارخاً لقلب الحقائق، فهذه المسألة قد حُسمت قانونياً وقضائياً منذ عام 2006 بوثائق رسمية وعقود شراء معمدة ومصادق عليها من المحاكم المختصة، كما أن القضاء في محكمة زبيد قد فصل في النزاع وأكد أحقية الملكية منذ سنوات طويلة، مما يجعل إعادة تداولها في هذا التوقيت محاولة مكشوفة لفرض واقع جديد وتحقيق مكاسب غير مشروعة عبر الضغط الإعلامي المضلل، مستغلين في ذلك رداءة التخفي الرقمي للهروب من طائلة المحاسبة.
لقد اختار الدكتور قاسم بريه، انطلاقاً من إيمانه بدولة النظام والقانون، أن يواجه هذا الزيف عبر المسار القضائي الذي أنصفه مجدداً بإصدار الحكم في القضية المدنية رقم (47) لسنة 1446هـ، والذي قضى بمنع التعرض له في ملكه وإلزام المعتدين بالتعويض وتحمل نفقات التقاضي، ليكون هذا الحكم بمثابة الرد القاطع والنهائي الذي كشف هشاشة الادعاءات وزيف الروايات التي حاولت تصوير المسألة كملف فساد، بينما هي في جوهرها استهداف ممنهج ومحاولة ابتزاز فاشلة أمام صخرة الحق والعدالة.
إن الدفاع عن الدكتور قاسم بريه هو في الحقيقة دفاع عن القيم التربوية والأكاديمية، ودفاع عن قدسية القضاء وحجية أحكامه أمام الفوضى الرقمية، ويبقى الوعي المجتمعي هو الحصن المنيع الذي تتحطم عليه سهام التشويه، فالقادة الحقيقيون لا تهزهم زوابع الحسابات الوهمية، بل تزيدهم شموخاً وثباتاً في ذاكرة وطن لا ينسى من أخلصوا له وبنوا صروحه العلمية بكل أمانة واقتدار.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق