الأحد، 3 مايو 2026

الأستاذ علي غالب: حين يصبح المعلم نافذة على الضوء وذاكرة وطن لا تُنسى


في سجل التربية والتعليم بمحافظة الحديدة، ثمة أسماء لا تُكتب بالحبر، بل بالأثر الذي يظل نابضاً في وجدان الأجيال. ومن بين هذه الأسماء، يطل الأستاذ علي غالب كجذعٍ أصيل يشهد لزمنٍ لم ينطفئ فيه وهج المعلم، حيث كان التعليم رسالة تُحمل على الكتف، لا مجرد وظيفة تُؤدى.

عندما تُذكَر أعلام التعليم في الحديدة، ينهض اسم الأستاذ علي غالب بوصفه أحد أعمدة النهضة التربوية، نموذجاً للمعلم القدوة الذي آمن بأن بناء الإنسان هو أعظم مشروع يمكن أن يُنجزه مربٍ على هذه الأرض. في ممرات المدارس، وداخل الفصول التي عرفت صوته وهيبتَه وحنانه، تشكّل وعي أجيالٍ كاملة كانت تبحث عن نافذة تُطلّ بها على العالم. وكان علي غالب تلك النافذة المشرّعة دوماً على الضوء.

لم يكن مجرد معلم، بل صانعاً للطمأنينة في نفوس طلابه، مؤمناً بأن كل طفل يحمل في داخله بذرة لا تُزهر إلا إذا وجدت يداً خبيرة تسقيها، وعيناً تعرف كيف تبصر إمكاناتها. فجمع بين الانضباط التربوي والروح الإنسانية، فكان معلماً صارماً حين يقتضي الموقف، وأباً حنوناً حين يحتاج الطلاب إلى الدعم.

تجلّى عطاء الأستاذ علي غالب التربوي في قيادته الحكيمة لمدرسة الشهيد محمد محمود الزبيري، تلك المدرسة التي أصبحت في عهده ورشةً للعلم والإبداع. قاد المدرسة كما يُقاد مركب في بحر متقلب، لكن بحكمته واتساع رؤيته تحولت إلى بيئة يُصنع فيها التفوق كما تُصنع الموهبة في ورشة فنان بارع.

تحت إدارته، تقدّمت المدرسة في مختلف الفعاليات، وكانت رقماً صعباً على مستوى المحافظة واليمن، حتى غدت شاهداً على أن الإدارة التربوية ليست إجراءات وشكليات، بل روح تتخلل كل تفصيلة. لم تكن المدرسة مجرد مبنى تعليمي، بل بيئة تربوية تزهر فيها روح التنافس الشريف والانتماء الوطني.

الأجيال التي تتلمذت على يدي الأستاذ علي غالب لم تخرج من فصوله وهي تحمل كتباً فحسب، بل خرجت وهي تحمل أثراً. منهم مسؤولون، وإعلاميون، ومثقفون، وأطباء، ومهندسون، يحتّلون اليوم مواقع مرموقة في مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع. وكل واحد منهم ما زال يحمل ذكرى ذلك المعلم الذي كان يتعامل مع المستقبل كما يتعامل الحائك مع خيوطه: يصنعه بإتقان، ويترك فيه جزءاً من روحه.

زرع في نفوس تلاميذه قيمة الكلمة، واحترام العلم، والإيمان بأن التفوق ليس هبةً بل ثمرة جهد وإصرار. فخرجوا من بين جدران مدرسته وقد تشبعوا بروح المبادرة والثقة بالنفس، حاملين راية العلم أينما حلّوا.

ولم يكتفِ الأستاذ علي غالب بأن يكون مربياً في الفعل اليومي، بل حمل قلمه وسار به إلى فضاء البحث والتأريخ. صدرَت له مؤلفات بحثية وتوثيقية تناولت قضايا التعليم والتاريخ المحلي، لم تكن مجرد كتب، بل جسوراً تصل الحاضر بالماضي، وتكشف ملامح التحولات التربوية والثقافية في الحديدة.

فبفضله، بقي جزء من ذاكرة المحافظة محفوظاً من الضياع، مؤكداً أن المعلم الحق لا يتوقف عطاؤه عند حدود المدرسة، بل يمتد قلمه إلى خدمة المجتمع والفكر. لقد أغنى المكتبة التربوية بما خطّته أنامله، مساهماً في حفظ ذاكرة الحديدة التربوية والثقافية للأجيال القادمة.

لقد جسّد الأستاذ علي غالب نموذج المعلم القدوة، والمثقف الملتزم، والإنسان الذي حمل مسؤولية المعرفة بوعي ومسؤولية. اسمه اليوم يُذكر باحترام في أوساط زملائه وتلاميذه على حد سواء، لأنه ترك في كل منهم بصمة لا تُمحى، ودرساً لا يُنسى، وقِيَماً لا تتقادم.

إن الحديث عن الأستاذ علي غالب ليس حديثاً عن فرد، بل عن مرحلة. عن رجل آمن بأن المعرفة تُشيِّد ما تعجز السلطة عن تشييده، وأن المعلم الحقيقي يظل في ضمائر الناس حتى بعد أن تغادر خطواته ساحات المدارس.

لقد كان الأستاذ علي غالب، وما يزال، واحداً من أولئك الذين يضعون بصمتهم ثم ينسحبون بهدوء، تاركين وراءهم ضوءاً يعيش أطول منهم. رحلته ليست مجرد سيرة مهنية، بل فصل مضيء من تاريخ التعليم في الحديدة، سيظل شاهداً على أن التميز الحقيقي يبدأ من المعلم.
تحية تقدير ووفاء لرجل آمن بأن التعليم هو الطريق الأجمل نحو بناء الأوطان، وأن من يزرع الكلمة الطيبة، يحصد جيلاً يغير وجه المستقبل. تحية لمن علمنا أن في داخل كل منا بذرة، وأن الأستاذ الحق هو من يعرف كيف يسقيها حتى تُزهر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق